هل تشكل الأقمار الاصطناعية وسفن وصواريخ الفضاء عبئًا على الأرض؟

يحذر علماء من أن الأقمار الاصطناعية وسفن وصواريخ الفضاء التي تخرج من الخدمة بعد أداء مهامها أصبحت تشكل عبئا على الأرض والمدار الفضائي المحيط بها، ويؤيدون فكرة إقامة “إقتصاد فضائي دائري” يعتمد على إعادة تدوير واستخدام تلك المكونات التي سبق استعمالها، مع وضع تصميمات أفضل وتطبيق أدوات رقمية متطورة من أجل تشغيل مركبات الفضاء في المستقبل، لاسيما وأن أي عملية إطلاق للصواريخ تستهلك كميات كبيرة من الوقود والمواد النادرة وتطلق كميات ضخمة من الانبعاثات المسببة للاحترار العالمي والمواد الكيميائية التي تؤدي إلى استنفاد طبقة الأوزون في المجال الجوي للأرض.
التوفير في صناعات الفضاء والأقمار الاصطناعية
وخلال دراسة نشرتها الدورية العلمية Chem Circularity المتخصصة في أبحاث وعلوم الكيمياء، استعرض فريق من الباحثين في مجالي الفضاء والاستدامة سبل دمج مفاهيم معروفة مثل إعادة التدوير وإعادة الاستخدام والتوفير في صناعات الفضاء والأقمار الاصطناعية بداية من عمليات التصميم المبكرة مرورا بمراحل التصنيع والإصلاح ثم الإخراج من الخدمة. ويقول جين تشوان المهندس الكيميائي بجامعة ساري البريطانية ورئيس فريق الدراسة إنه “مع تسارع وتيرة أنشطة الفضاء ما بين كوكبة الأقمار الاصطناعية التي تحيط بالارض والبعثات الفضائية المستقبلية إلى القمر والمريخ، لابد أن نتأكد من مهمات استكشاف الفضاء لا تكرر نفس الأخطاء التي ترتكب على الأرض”. وأضاف في تصريحات للموقع الإلكتروني “سايتيك ديلي” المتخصص في الأبحاث العلمية أن “مستقبل صناعة الفضاء التي تلتزم بمعايير الاستدامة بشكل حقيقي يبدأ بالتعاون ما بين عوامل التكنولوجيا والخامات والأنظمة”.
شظايا حوادث اصطدام وانفجار المركبات الفضائية
وتتكون المصادر الرئيسية للحطام في الفضاء الخارجي من شظايا حوادث اصطدام وانفجار المركبات الفضائية وبقايا الوقود الجاف الخاص بها بنسبة 65%، ثم قطع صواريخ ومركبات الفضاء التي خرجت من الخدمة بنسبة 30%، وأخيرا الأغراض الخاصة بالرحلات الفضائية التي يتم إطلاقها بشكل متعمد أو غير متعمد أثناء عملية التشغيل بنسبة 5%. ويؤكد الباحثون أن تزايد كمية هذا الحطام حول كوكب الأرض يزيد مخاطر حوادث الفضاء ويهدد معايير الاستدامة في المدار الفضائي، وأن هذا النمط لا يمكن أن يستمر على المدى الطويل، وبخاصة مع تزايد الرحلات الفضائية الخاصة والتجارية بوتيرة سريعة. ويقول تشوان إن “الدافع من وراء هذه الدراسة هو إجراء حوار بشأن ترسيخ معايير الاقتصاد الدائري في مجال الفضاء، والذي تأخر بالفعل إلى حد كبير”. ويوضح أن “التفكير من منظور الاقتصاد الدائري يتعلق بإجراء تحول في نوعية الخامات وآليات التصنيع في العالم، ولكن هذه المفاهيم نادرا ما يتم تطبيقها في صناعات الاقمار الاصطناعية والصواريخ أو المساكن الفضائية”.
ومن أجل إيجاد اقتصاد فضائي دائري، ينصح الباحثون بتصميم سفن وأقمار اصطناعية أسهل في الإصلاح وأكثر قدرة على التحمل، وإقامة محطات فضائية ذات مرافق متعددة الاستخدامات، ودعم إمكانيات إعادة الشحن والتزود بالوقود، مع إمكانية إصلاح مركبات الفضاء أثناء تحليقها في المدار الخارجي للأرض، فضلا عن تصنيع مكونات أقمار اصطناعية جديدة تقلل مرات إطلاق الرحلات الفضائية. ومن أجل إعادة تدوير واستخدام سفن ومحطات الفضاء، لابد أن تتوصل صناعة الفضاء إلى أساليب أفضل لإعادة تلك المعدات إلى الأرض بشكل آمن بعد استخدامها، وتسلط الدراسة الضوء على تقنيات مثل المظلات والوسائد الهوائية التي تتيح هبوط تلك المعدات بسلاسة مرة أخرى إلى الأرض، مع التأكيد على ضرورة إخضاع تلك المكونات إلى فحص صارم للتيقن من سلامتها قبل استخدامها مرة أخرى، لاسيما وأن سفن الفضاء والأقمار الاصطناعية عادة ما تتعرض لتلفيات كبيرة جراء البقاء في الفضاء لفترات طويلة وكذلك أثناء دخولها المجال الجوي للأرض مرة أخرى.
ودعا الفريق البحثي في معرض الدراسة إلى تعزيز آليات انتشال قطع الحطام التي تدور في مدار الأرض من خلال نشر شبكات بمواصفات خاصة أو أذرع روبوتية للقبض على قطع الحطام الشاردة، لأن ذلك سيتيح إمكانية إعادة تدوير هذه المكونات واستخدامها مجددا فضلا عن الحد من احتمالات حوادث التصادم التي ينجم عنها المزيد من الحطام الفضائي. ويرى الباحثون أن أنظمة الذكاء الاصطناعي وأدوات تحليل البيانات الرقمية تعتبر من العوامل الرئيسية لتحقيق معايير الاستدامة في الفضاء، حيث أن تحليل البيانات على سبيل المثال وإجراء عمليات المحاكاة بالحاسبات يمكن أن تستخدم بدلا من التجارب الفعلية باهظة التكاليف والتي تستنزف كميات كبيرة من الموارد، فضلا عن أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي قد تساعد في تجنب حوادث تصادم الأقمار الاصطناعية ومركبات الفضاء.
وأشار الباحثون إلى أن الوصول إلى اقتصاد الفضاء الدائري لا يتأتى عن طريق معالجة مشكلة بعينها أو التركيز على أجزاء منفصلة ومنعزلة من منظومة الفضاء بل لابد أن ينظر مجتمع صناعة الفضاء برمته إلى المنظومة بشكل كلي بدءا من اختيار الخامات ومراحل التصنيع مرورا بعملية التشغيل في المدار الفضائي حتى الخروج من الخدمة. ويقول تشوان إنه “من المهم أيضا تضافر الجهود الدولية ووضع أطر سياسية للتشجيع على إستعادة مكونات الأقمار الاصطناعية وسفن الفضاء وإعادة استخدامها”، مؤكدا أن المرحلة المقبلة تتعلق بالربط بين الكيمياء والتصميم والحوكمة لتحويل الاستدامة إلى النموذج الافتراضي لصناعة الفضاء.



